التحرش والعنف في مكان العمل: حقوقك في المغرب
إذا كنت تتعرض لمراودات في غير محلها، أو سب، أو اعتداء جسدي في مكان عملك، فاعلم أن مدونة الشغل (القانون رقم 65.99) لا تتركك وحيداً في مواجهة ذلك. فالقانون يسمّي هذه السلوكات، ويصفها بالأخطاء الجسيمة، وينظم مخرجاً قد يلعب لصالحك. لكن يلزم معرفة من ارتكب الخطأ، وكيف يُثبَت.
الخلاصة باختصار
حين يسب المشغل أجيراً سباً جسيماً، أو يمارس عليه عنفاً، أو يتحرش به جنسياً، أو يحرّضه على الفساد، تتعامل مدونة الشغل مع هذه الأفعال باعتبارها أخطاء جسيمة من المشغل [1]. والأجير الذي يغادر حينها عمله لهذا السبب لا يُعتبر مستقيلاً: بل تُعتبر مغادرته بمثابة فصل تعسفي [1]. كما يمنع القانون كل تمييز يقوم بوجه خاص على الجنس [2]. والعنف يأتي أيضاً من الجهة الأخرى: فهو يندرج ضمن الأخطاء الجسيمة التي قد تبرر فصل الأجير [3].
ما يصفه القانون خطأً جسيماً من المشغل
تضع مدونة الشغل لائحة واضحة. فمن الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها المشغل أو رئيس المقاولة أو المؤسسة في حق الأجير: السب الجسيم، وكل شكل من أشكال العنف أو الاعتداء الموجَّه ضد الأجير، والتحرش الجنسي، والتحريض على الفساد [1].
اقرأ هذه العبارات جيداً. فهي ليست للزينة.
فالتحرش الجنسي مذكور بالحرف باعتباره خطأً جسيماً. والعنف كذلك بصيغة واسعة: «كل شكل من أشكال العنف أو الاعتداء»، وهو ما لا يقتصر على الضرب. والسب الجسيم يُحتسب أيضاً، والتحريض على الفساد يختم اللائحة [1].
ولهذه الصياغة مدى عملي. فلأن القانون يستهدف «كل شكل» من العنف أو الاعتداء، فلست مطالباً بإثبات اعتداء صارخ لتدخل في الإطار: فالسلوكات المتكررة، والتهديدات، والاعتداء اللفظي المهين يمكن أن تجد فيه مكانها [1]. كما أن اللائحة لا تميز بحسب رتبة مرتكب الفعل أو وظيفته: فالمستهدَف هو المشغل أو رئيس المقاولة أو المؤسسة [1].
وما يغيّر كل شيء هو الأثر القانوني المرتبط بهذه الأفعال. فالقانون لا يكتفي بإدانتها أخلاقياً.
لماذا قد تساوي مغادرتك فصلاً تعسفياً
إليك الآلية المركزية، وهي تستحق التوقف عندها.
عادةً، فالأجير الذي يغادر من تلقاء نفسه مستقيل: يفقد تعويض الفصل والتعويضات عن الضرر. لكن مدونة الشغل تنص على استثناء حاسم. فمغادرة الأجير عمله بسبب أحد الأخطاء الجسيمة للمشغل المذكورة أعلاه تُعتبر بمثابة فصل تعسفي، ما دام ثابتاً أن المشغل ارتكب فعلاً أحد هذه الأخطاء [1].
لنترجم. فإذا غادرت لأن مشغلك تحرش بك جنسياً أو اعتدى عليك، فلا يُعامَل أمرك معاملة من تخلّى عن منصبه. بل تُعامَل معاملة شخص فُصل تعسفياً. والفصل التعسفي يفتح الحق في الجبر أمام المحاكم.
والقفل يكمن في عبارة: «ما دام ثابتاً» [1]. فالحماية لا تنطلق بمجرد الادعاء. بل يلزم أن يكون خطأ المشغل مُثبَتاً. وهذا هو كل رهان الإثبات، الذي نعود إليه أدناه.
ردة الفعل المفيدة: لا تستقل برسالة جافة تتحدث عن «ظروف شخصية». اربط صراحةً مغادرتك بالخطأ الذي تعرضت له، واحتفظ بنسخة مما توجهه إلى المشغل. وهذا الدقة في الصياغة هي بالذات ما سيتيح، لاحقاً، ربط مغادرتك بخطأ المشغل بدل استقالة عادية [1].
الكرامة والمساواة، أساس حمايتك
ليس التحرش والعنف حادثين معزولين عن باقي القانون. بل يصطدمان بمبدأ تضعه مدونة الشغل على نطاق أوسع.
فالقانون يمنع كل تمييز ضد الأجراء يقوم بوجه خاص على الجنس، وكذا على العرق، أو اللون، أو الإعاقة، أو الحالة الزوجية، أو الدين، أو الرأي السياسي، ما دام يخل بتكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة في مجال الشغل [2]. ويشمل هذا المنع التشغيل، وتوزيع العمل، والأجر، والترقية، والتدابير التأديبية، والفصل [2].
ويؤكد النص نفسه حق المرأة، متزوجة كانت أو غير متزوجة، في إبرام عقد شغل والانخراط في نقابة [2].
ولماذا هذا التذكير هنا؟ لأن تحرشاً ذا طابع جنسي أو عنفاً يستهدف أجيرة كثيراً ما يندرج في مساس أوسع بالمساواة. والاحتجاج بهذا الأساس، فضلاً عن وصف الخطأ الجسيم، يعزز ملفك.
والزاوية مفيدة أبعد من حالة التحرش الجنسي وحدها. فإذا لاحظت أن مشغلك، عقب الوقائع، عدّل أجرتك، أو عرقل ترقيتك، أو كثّف التدابير التأديبية، أو حرمك من منح امتيازات، فهذه القرارات يمكن أن تُقرأ هي الأخرى على ضوء منع التمييز [2]. فالتحرش لا يأتي وحده تقريباً أبداً؛ وتوثيق ما يحيط به يهم بقدر توثيق الفعل نفسه.
حين يأتي العنف من الأجير
لنكن صادقين: القانون يحمي علاقة الشغل في الاتجاهين.
فمدونة الشغل تُدرج ضمن الأخطاء الجسيمة التي قد تؤدي إلى فصل الأجير الاعتداءَ الجسدي، والسب الجسيم، والتحريض على الفساد، وكل شكل من أشكال العنف أو الاعتداء الموجَّه ضد أجير أو المشغل أو ممثله حين يمس بسير المقاولة [3]. وفي هذه الحالة، يعاين مفتش الشغل المساس بسير المؤسسة ويحرر بشأنه محضراً [3].
لاحظ هذه النقطة الأخيرة. فمفتشية الشغل ليست مجرد شباك لتلقي الشكايات: فالقانون يسند إليها دوراً في المعاينة الرسمية، يتجسد في محضر [3].
ونتيجة الخطأ الجسيم قاسية. ففي حالة الخطأ الجسيم، يمكن فصل الأجير دون إخطار، ودون تعويض عن الفصل، ودون أداء تعويضات عن الضرر [4]. وتسري هذه القاعدة كسيف ذي حدين: فهي تفسر لماذا سيسعى المشغل إلى وصف سلوك عنيف للأجير بالخطأ الجسيم، ولماذا يجب التعامل مع هذا الوصف بصرامة.
وقبل بلوغ ذلك، ضع في حسبانك أن المشغل ملزم من حيث المبدأ بتطبيق العقوبات التأديبية بشكل متدرج؛ ولا يمكنه الفصل إلا بعد استنفاد العقوبات خلال السنة، إذ يُعتبر الفصل حينها مبرَّراً [5]. أما الخطأ الجسيم، فيتجاوز هذا التدرج.
بناء الإثبات وإحالة الأمر على المؤسسات المناسبة
كل شيء، كما رأينا، يقوم على ما يمكن «إثباته» [1]. فبدون إثبات، يبقى الوصف نظرياً.
احتفظ بالآثار الكتابية: الرسائل، والبريد الإلكتروني، وشهادات الزملاء، والشهادات الطبية التي تصف الإصابات أو حالة الكرب. وأرّخ الوقائع بأكبر قدر ممكن من الدقة.
ومفتشية الشغل هي أول طعن ميداني لك. فمهمتها في المعاينة، المنصوص عليها قانوناً بشأن المساس بسير المؤسسة، تبيّن أنها قادرة على التدخل وتحرير محضر يصبح بعد ذلك مرجعاً [3]. فلا تتردد في إحالة الأمر عليها مبكراً.
ثم تأتي المحكمة، وهي المكان الذي يُحسم فيه الجبر. فهي التي ستقدّر هل خطأ المشغل الجسيم ثابت، وعند الاقتضاء، تتعامل مع مغادرتك كفصل تعسفي يفتح الحق في التعويض [1]. وفي المقابل، فأمام القاضي أيضاً يُنازَع في فصل صدر ضد أجير بسبب خطأ جسيم [3][4].
كلمة أخيرة في المنهج. فالتحرش والعنف قد يندرجان أيضاً في إطار القانون الجنائي، المتميز عن مدونة الشغل؛ ومحامٍ سيعرف كيف يوفّق بين المسلكين بحسب وضعيتك.
المصادر
[1] المادة 40، مدونة الشغل (القانون رقم 65.99) [2] المادة 9، مدونة الشغل (القانون رقم 65.99) [3] المادة 39، مدونة الشغل (القانون رقم 65.99) [4] المادة 61، مدونة الشغل (القانون رقم 65.99) [5] المادة 38، مدونة الشغل (القانون رقم 65.99)
هل تحتاج إلى تحقق يخص وضعيتك؟ تحدث في الأمر مع محامٍ مسجل في هيئة المحامين بالمغرب.